ترى سُميّة الغنوشي أن المشهد الذي جلس فيه دونالد ترامب خلف المكتب البيضاوي وهو يقلب مجسم قاذفة B-2 بفرح ظاهر، لم يكن مجرد لقطة عابرة، بل كشف ذهنية كاملة تتعامل مع الحرب بوصفها استعراضًا ولذة وهيمنة، لا مأساة ولا ضرورة ثقيلة.
وتلفت إلى أن ترامب لم يتحدث عن القصف بلسان رجل دولة يزن الدم والنار، بل بلسان شخص يبتهج بقوة التدمير، ويحتفي بدقة القنابل والانفجارات كما لو كان يشاهد لعبة مبهرة، وهو ما يجعل الصورة أكثر إثارة للقلق.
وتوضح ميدل إيست آي أن هذا الخطاب لا يقف عند حدود ترامب وحده، بل يمتد إلى أركان إدارته، حيث تتكرر مفردات القوة الساحقة والتحرر من القيود القانونية والمؤسساتية. وفي المقابل، يغيب أي اعتبار حقيقي للقانون الدولي أو لمعاناة الشعوب التي تسحقها الحروب، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني في غزة، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي القتل والحصار والتجويع والتدمير تحت أنظار إدارة أميركية تمنح الغطاء السياسي والعسكري، ثم تتحدث عن “الاستقرار” بوجه بارد.
شهوة القوة بدل منطق الدولة
ترسم الكاتبة صورة لإدارة ترى في القوة العسكرية المبدأ المنظم الوحيد للعالم. فترامب، بحسب المقال، يفاخر مرارًا بأن الجيش الأميركي لا يضاهيه جيش آخر، ويستعيد صور القنابل والانفجارات بلغة مفعمة بالزهو، لا بالتحفظ. وتزداد الصورة قتامة حين يردد مسؤولون آخرون المعنى نفسه، مثل وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي يتحدث عن “الموت والدمار من السماء” باعتبارهما أداة مشروعة لإطلاق القوة الأميركية بلا كوابح.
وتشير الكاتبة إلى أن المسألة ليست انفلاتًا لغويًا عابرًا، بل عقيدة حكم كاملة. فالإدارة الحالية، في نظرها، لا تبدي احترامًا للمعاهدات، ولا تعبأ بالمؤسسات الدولية، ولا ترى في القانون سوى قيد يجب التخلص منه. ومن هذا المنطلق، تغدو الحرب أداة استعراض وهيمنة، لا وسيلة أخيرة تفرضها الضرورات القصوى.
عقيدة صدامية تخدم إسرائيل وتستبيح المنطقة
يربط المقال بين هذه اللغة العنيفة وبين تصورات أيديولوجية أوسع تتبناها شخصيات نافذة داخل الإدارة. فبعض هؤلاء، كما تذكر الكاتبة، ينظر إلى العالم من زاوية صراع حضاري وديني، ويعيد تقديم السياسة الدولية بوصفها ساحة مواجهة بين “الغرب” وخصومه، مع وضع الإسلام في قلب هذا التصور العدائي. وهنا تلتقي النزعة العسكرية مع خطاب استعلائي يبرر القصف والتدخل والعدوان.
وتؤكد الكاتبة أن هذه الذهنية لا تنفصل عن الانحياز العميق لإسرائيل، ولا سيما لحكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة. فبدل أن تعمل واشنطن على احتواء الحرب أو حماية الاستقرار، تسخّر نفوذها العسكري والدبلوماسي لخدمة أولويات إسرائيل. وتنعكس هذه السياسة بوضوح في غزة، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي استهداف المدنيين الفلسطينيين، ويفرض واقعًا من القتل الجماعي والخراب الإنساني، فيما تواصل الإدارة الأميركية توفير الغطاء والدعم، كأن الدم الفلسطيني خارج حسابات الأخلاق والقانون.
وترى الكاتبة أن هذا المسار لا يخدم حتى المصالح الأميركية نفسها، بل يجرّ واشنطن إلى حروب أوسع ويعمّق غضب المنطقة، لأن الإدارة لا تتصرف كوسيط، بل كطرف منخرط بالكامل في مشروع إسرائيلي يزداد تطرفًا وعدوانية.
محاباة وولاء بدل الدبلوماسية
ينتقل المقال بعد ذلك إلى الدائرة المحيطة بترامب، فيتوقف عند جاريد كوشنر وستيف ويتكوف بوصفهما مثالًا على تغليب القرب الشخصي والولاء السياسي على الخبرة والكفاءة. فهذان الاسمان، بحسب الكاتبة، حضرا في ملفات شديدة الحساسية، رغم غياب التأهيل الدبلوماسي الحقيقي، وهو ما يكشف خللًا بنيويًا يجعل إدارة السياسة الخارجية أقرب إلى شبكة علاقات شخصية منها إلى مؤسسات دولة.
وتضيف الكاتبة أن تقارير دبلوماسية ومتابعات بحثية أشارت إلى أن فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران كانت أقرب مما روّجت له دوائر التصعيد، وأن وسطاء شاركوا في المحادثات رأوا أن الاتفاق كان ممكنًا لو استمرت الدبلوماسية. لكن مسار التهدئة تعثر، وغلب عليه ضغط من دوائر أكثر التصاقًا بالأجندة الإسرائيلية، وهو ما دفع واشنطن نحو الحرب بدل التسوية.
وفي خاتمة المقال، تخلص سُميّة الغنوشي إلى أن السياسة الأميركية في عهد ترامب لم تعد تُدار بمنطق المسؤولية العامة، بل بمنطق الهيمنة الغاضبة والنزعة الاستعراضية. فالقوة هنا لا تؤدي وظيفة الردع فقط، بل تتحول إلى لغة وحيدة لإخضاع الخصوم والحلفاء معًا. ومن ثم، لا تبدو هذه الإدارة، في نظرها، مجرد إدارة محافظة أو متشددة، بل بنية حكم مخمورة بالقوة، تتعامل مع العالم بعقلية عصابة تملك القنابل والأساطيل، وتطلقها حيث تشاء، فيما تشتعل غزة وتحترق المنطقة وتدفع الشعوب العربية الثمن الأفدح.
https://www.middleeasteye.net/opinion/american-crusade-domination-only-language-trumps-team

